المغالطات المنطقية – الجزء الأول

مقدمة:

عندما اقتنيت كتاب المغالطات المنطقية، تأليف د. عادل مصطفى، تصفحته سريعاً ولاحظت كثرة الأمثلة والحشو، وعندما بدأت قراءته وجدت أن المؤلف غير واضح، فهو قد لا يضع تعاريف واضحة للمغالطة، أو يضعها ضمناً وتستنتجها، أو يضعها مباشرة، ويطرح أمثلة كثيرة لكل مغالطة، وكثرة الأمثلة مفيدة كما هو معروف ولكن الإشكال في أمثلة المؤلف أنها من غير بيئتنا العربية فقد يصعب فهم أكثرها، كذلك كثرة الحشو والكلام الطويل، لذلك رأيت اختصار المغالطات المنطقية ( أي أني لم أعرض الفصول الأخرى من الكتاب ) في جزئين أعرضها في المدونة، وقبل أن نبدأ بالمغالطات أود أن أذكر بعض الملاحظات الهامة، أولها أني حاولت بقدر الإمكان أخذ التعاريف من الكتاب مباشرة، إن لم تكن موجودة ذهبت لمصدر آخر وأخذت التعريف منه وأشرت إليه بالهامش، أو استنتجته بنفسي، وكل تعريف أو مثال استنتجته سأضع بعده علامة النجمة ( * )، كذلك أشرت في الهامش لبعض الشخصيات المذكورة في الأمثلة والتي قد لا يعرفها البعض، وهذه من باب الإضافة، وبالأخير المقالة لم تعرض كل مغالطة بالتفصيل والحالات التي لا تكون فيها المغالطة المذكورة مغالطةً، ولهذا أنصح بالعودة للكتاب لأخذ نظرة أوسع ومعرفة أكبر وأعمق، وهذه المقالة للتسهيل فقط.

لماذا علينا معرفة المغالطات المنطقية؟

برأيي أن معرفة المغالطات المنطقية مهمة لكي لا نقع فيها بنقاشاتنا، ولكي نعرف إذا ما كان المُخاطِب يُغالط منطقياً أم لا، ولنحمي عقولنا من التشغيب.

بسم الله الرحمن الرحيم

1- المصادرة على المطلوب:

وتعني التسليم بالمسألة المطلوب البرهنة عليها من أجل البرهنة عليها، ومن صورها:

  • جعل المقدمة الصغرى من النتيجة المراد البرهنة عليها.
    • أمثلة:
      • أيما شيء أقل كثافة من الماء سوف يطفو فوقه، وذلك لأن مثل هذه الأشياء لا يمكن أن تغطس في الماء.
      • ما دمت لا أكذب، فأنا إذن أقول الحقيقة.
    • الاستدلال الدائري: أن تكون صحة الفرض متوقفة على النتيجة.
      • مثال:
        • الروح جوهر بسيط لأنها خالدة، لا تتجزأ ولا تتحلل ولا تفسد، والروح لا بد من أن تكون خالدة، لأنها جوهر بسيط.
      • تفسيرات تحصيل الحاصل: وهو أن يكون المُفَسِّر لا يقول شيئاً أكثر من المُفَسَّر.
        • مثال:
          • سخرية موليير1 من تفسير الأطباء في زمنه لظاهرة نوم الناس على أثر تعاطي الأفيون بأن الأفيون يجعل الناس تنام.

              ( لاحظ أن هذه العبارة ليست كاذبة بحد ذاتها، الخطب أنها لا تفسِّر شيئاً )

2- مغالطة المنشأ:

وهي أن تقبل الحجة أو ترفضها لا لذاتها ولكن لمصدرها*.

  • مثال:
    • اليوجينيا ( تحسين النسل ) علمٌ ضار على نحو مطلق، والعبث بالجينات عمل فاشي نازي، هكذا كان هتلر يحاول من قبل، فكيف نمضي بشيء بدأه شخص مثل هتلر ؟

3- التعميم المتسرع:

وهي الجُزء المُغالِط من الاستقراء الناقص، والاستقراء هو: كل استدلال يسير من الخاص إلى العام2.

  • العينات الغير ممثلة كمياً: أن تكون الكمية إما صغيرة أو غير كافية لاستخراج نتيجة.
    • مثال:
      • تزوجتُ مرتين وفي كل مرة كان زوجي يطمع في ثروتي ولا يخلص لشخصي. ولذا قررت ألا أتزوج إلى الأبد لأن الرجال كلهم يفتقرون إلى النزاهة والإخلاص.
    • العينة الغير ممثلة كيفياً: وهي أن تكون العينة متحيزة لفئة ما.
      • مثال:
        • التفاحات على وجه الصندوق تتألق نَضْرَةً وبهاءً، إذن جميع التفاحات في الصندوق من الصنف الممتاز.

ومغالطة التعميم المتسرع ينتج عنها مغالطة أخرى وهي النصوع المُضَلِّل:

  • النصوع المُضَلِّل: أن تأخذ مثال واحد او عدة أمثلة بأكثر ممن دلالته الإحصائية بسبب وهجه ودراميته.
    • مثال:
      • شخص نجا من حادث تحطم طائرة قد يميل إلى الاعتقاد بأن معدلات كوارث الطيران أكبر من معدلات غيرها من الكوارث، وأن السفر بالطائرة أخطر من السفر بأي وسيلة أخرى، وإن كانت الإحصائيات تقطع بخطأ هذا الاعتقاد.

4- تجاهل المطلوب

أن يتم تجاهل الشيء الذي يتوجب أن يُبَرْهَن عليه، ويتم البرهنة على شيء آخر

  • مثال:
    • أن يُثبت المحامي بشاعة القتل والجريمة بدلاً من إثبات أن المُتَّهم هو مرتكبها.

5- الرنجة الحمراء.

  • أصل التسمية: حيلة كان يستخدمها المجرمون الفارون لتضليل كلاب الحراسة التي تتعقبهم، وذلك بسحب سمكة رنجة حمراء عبر مسار المطاردة، بتجتذب الكلاب رائحتها الشديدة عن رائحة الطريدة الأصلية.

وتعريف المغالطة: أن يحاول المرء تحويل الانتباه عن المسألة الرئيسة في الجدل، وذلك بإدخال تفصيلات غير هامة، أو بإلقاء موضوع لافت أو مثير للانفعالات، فيقذف بالخصم خارج مضمار الحديث.

  • مثال:
    • إن أنصار البيئة لَيقومون الدنيا ويقعدونها في حديثهم عن المخاطر النووية، غير أن للكهرباء مخاطر جمة.

6- الشخصنة.

تعني أن يَعمِد المُغالِط إلى الطعن في شخص القائل بدلاً من تفنيد قوله، وهي أربعة أنواع:

  • القدح الشخصي: أي صرف الانتباه عن الحجة الأصلية إلى شخص قائلها وعيوبه ومثالبه.
    • مثال:
      • لماذا أبالي بآراء هؤلاء الصحفيين؟ إنهم حفنة من المرتزقة!
  • التعريض بالظروف الشخصية: في هذه المغالطة يكتفي المُغالِط بأن يشير إلى أن ظروف خصمه الخاصة هي التي ألجأته إلى تبني رأي معيّن.
    • مثال:
      • أنت برجوازي مُرتَهن لوضعك الطبقي، ومن ثم فإن كتاباتك لا قيمة لها مهما بلغت مزاياها الشكلية والأسلوبية.
  • أنت أيضاً تفعل ذلك: وهي أن يقلب المُغالِط الطاولة على خصمه، باعتباره لا يفعل ما يَعِظُ به، أو لا يتجنب ما ينهى عنه.
    • مثال:
      • كيف أستمع إلى نصيحة هذا الطبيب بخفض وزني إذا كان هو نفسه بديناً؟

وينتج عن هذه المغالطة بعض المغالطات الأخرى مثل:

  • دفع الظلم بالظلم: وفي هذه الحالة يتحول الخطأ إلى صواب لمصلحة ما*.
    • مثال: من كان بيته من زجاج فلا يرمي الناس بالحجارة.
  • خطآن يصنعان صواباً: تَذَرُّع المُغالِط بأن هناك من يصنع الشيء نفسه.
    • مثال: لماذا كل هذا الجزع من الفساد في بلادنا؟ إن الفساد لينخر في أرقى بلاد العالم
    • مثال آخر: لنسرق هؤلاء اللصوص، فإنهم لو تمكنوا منا لجردونا من ثيابنا.
  • تسميم البئر: أن تقول للجمهور رأيك في خصمك ( مرجعيته مثلاً ) لكي لا يصدقه الجمهور*.
    • مثال:
      • لا تصدقوا ما سيقول، إنه وغد.

7- الاحتكام إلى سلطة.

الاعتقاد بصحة قضية أو فكرة لا سند لها إلا سلطة قائلها.

  • إذا كان الخبير متحيزاً.
    • مثال:
      • ليس للتدخين أضرار كبيرة على المدخنين، هكذا أثبتت دراسة فريق الأطباء الباحثين الذين يعملون لدى شركة مارلبورو.
  • إذا كان هناك خلاف بين الخبراء في المسألة المعنيّة.
    • مثال:
      • الخلافات بين مدارس علم النفس.
  • إذا كان الاحتكام إلى سلطة غير ضروري.
    • مثال:
      • الشمس تدور حول الأرض لأن الكتاب المقدس يقول ذلك بوضوح لا لبس فيه.
  • إذا كانت الدعوى غير داخلة في مجال خبرة الشخص الذي يُحتَكم إليه كَسُلطة.
    • مثال:
      • يؤكد العالم الكبير وليم جنكيز الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء أن فيروس الإنفلونزا سوف يتم القضاء عليه بجميع أنواعه بحلول عام ألفين وخمسين.
  • إذا كان مجال خبرة ذلك الخبير هو علم زائف أو مبحث معرفي غير مشروع.
    • مثال:
      • لقد حددت رقم حظي وتعرفت على شريك حياتي الملائم.
  • إذا كانت الخبرة، أو الفتوى، غير معاصرة.
    • مثال:
      • استخدام الهيروين لعلاج الكحة، لأنه كان يستعمل كدواء قبل عام 1913 في ألمانيا*.

8- مناشدة الشفقة

أن تسند إلى العطف وظيفة البيّنة، وأن تأخذ الشفقة مأخَذ الحُجّة.

  • مثال:
    • كيف ترفض رسالتي للدكتوراه؟ لقد عكفت على كتابتها سبع سنوات متواصلة!

9- الاحتكام إلى عامّة الناس

تتضمن هذه المغالطة الاحتكام إلى الناس بدلاً من الاحتكام إلى العقل.

  • مثال:
    • ثمانية مليون فرنسي لا يمكن أن يكونوا على خطأ!

10- الاحتكام إلى القوّة

اللجوء إلى التهديد والوعيد من أجل إثبات دعوى لا تتصل منطقياً بأفعال الخشي والرعب الذي تهيب به.

  • مثال:
    • ينبغي أن توافق على السياسة الجديدة للشركة، هذا إذا كنت تريد المحافظة على وظيفتك.

11- الاحتكام إلى النتائج

أن تنظر إلى النتائج وبناء عليها تقبل البرهان أو ترفضه*.

  • مثال:
    • اعتقاد الطفل في وجود بابا نويل يجعله سعيداً، إذن بابا نويل موجود.

12- الألفاظ المشحونة

استبدال ألفاظ بأخرى أشنع منها لهدف ما*.

  • مثال:
    • مرة ثانية تُضْبَط إنجلترا وهي تتملق الديكتاتوريات. ( قارن: مرة ثانية نرى إنجلترا تعمد إلى أن تحتفظ بعلاقات ود مع الأنظمة المتشددة. )

13- المنحدر الزلق

تعني أن فعلاً ما، ضئيلاً أو تافهاً بحد ذاته، سوف يجر وراءه سلسلة محتومة من العواقب تؤدي في نهاية المطاف إلى نتيجة كارثية.

  • مثال:
    • إذا استثنيتك أنت من هذا القرار فسوف يكون عليّ أن أستثني الجميع.

14- الإحراج الزائف

يقع المرء في هذه المغالطة عندما يبني حجته على افتراض أن هناك خيارين أو نتيجتين فقط لا أكثر، بينما هناك خيارات أو نتائج أخرى.

  • مثال:
    • إما أن تكون معنا أو ضدنا.

15- السبب الزائف

هو أخذ ما ليس بعلّةٍ علة.

  • إغفال سبب مشترك
    • مثال:
      • الحمى تؤدي إلى الطفح الجلدي. ( قد يكون فيروس الحصبة هو السبب وراء كل من الحمى والطفح الجلدي. )
  • الخلط بين السببين ومجرد المصادفة.
    • مثال:
      • وُجِد ارتباط إحصائي وثيق بين مستويات تمويل الفنون في بريطانيا وبين أعداد طائر البطريق في القطب الجنوبي!
  • الاتجاه الخطأ للعلاقة السببية.
    • مثال:
      • لوحظ أن هناك ارتباطاً بين معدل امتلاك السلاح في بعض الولايات ومعدل ارتكاب الجرائم، إذن امتلاك السلاح يؤدي إلى انتشار الجرائم. ( الصواب أن انتشار الجرائم يقلق المواطنين الآمنين فيستخرجون رخص الأسلحة للتحوّط والحماية. )
  • المغالطة البَعْدِيّة: ما دام شيء ما قد أتى بعد شيء آخر فهو إذن قد أتى بسببه.
    • مثال:
      • يصيح الديك قبل الفجر، ثم يأتي الفجر وينبلج الصباح، إّن صياح الديك يُطْلِع الصبح.

16- السؤال المشحون

تكنيك يعمد إلى دس فروض مسبقة غير مبررة وغير داخلة في التزامات الخصم.

  • مثال:
    • هل توقفت عن ضرب زوجتك؟

فإذا أجاب المُجيب بنعم أو لا، فإنه يعترف بالفرض المسبق وهو أنه كان في وقت ما يضرب زوجته.

17- التفكير التشبيهي

المقارنة بين أمرين ليس بينهما وجه للمقارنة، أو أمرين بينهما تشابه سطحي.

  • مثال:
    • المقارنة بين حارس المرمى والمهاجم من ناحية عدد الأهداف المُسَجَّلة*. ( تسجيل الأهداف ليس دور الحارس، بل هو دور المهاجم، مع أنهما جميعاً لاعبي كرة قدم. )

 

خاتمة:

كما قلت بالبداية أن هذا التلخيص لا يغني عن الكتاب ( وهو كتاب المغالطات المنطقية – د. عادل مصطفى ) ، وأن هناك مغالطات منطقية تكون في حالات معينة حجج يؤخذ بها، وهناك فصول أخرى غير المغالطات المنطقية مذكورة في الكتاب لم ألخصها هنا، وإنما تلخيصي يقتصر على المغالطات المنطقية فقط.

الجزء الثاني .. قريباً

 

1 كاتب مسرحي فرنسي اسمه جون باتيست بوكلان ويلقب بموليير، توفي سنة 1622م.

2 التعريف من كتاب الأسس المنطقية للاستقراء، محمد باقر الصدر.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s